مَسرّةُ الله: معنى اللَّذة (البهجة) والمُتعة الحقيقيّة من مَنظورِ المسيحيّة

36 وَالآنَ لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ عَنْ هذِهِ الْمَدِينَةِ الَّتِي تَقُولُونَ إِنَّهَا قَدْ دُفِعَتْ لِيَدِ مَلِكِ بَابِلَ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْوَبَإِ: 37 هأَنَذَا أَجْمَعُهُمْ مِنْ كُلِّ الأَرَاضِي الَّتِي طَرَدْتُهُمْ إِلَيْهَا بِغَضَبِي وَغَيْظِي وَبِسُخْطٍ عَظِيمٍ، وَأَرُدُّهُمْ إِلَى هذَا الْمَوْضِعِ، وَأُسَكِّنُهُمْ آمِنِينَ. 38 وَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلهًا. 39 وَأُعْطِيهِمْ قَلْبًا وَاحِدًا وَطَرِيقًا وَاحِدًا لِيَخَافُونِي كُلَّ الأَيَّامِ، لِخَيْرِهِمْ وَخَيْرِ أَوْلاَدِهِمْ بَعْدَهُمْ. 40 وَأَقْطَعُ لَهُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا أَنِّي لاَ أَرْجِعُ عَنْهُمْ لأُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَأَجْعَلُ مَخَافَتِي فِي قُلُوبِهِمْ فَلاَ يَحِيدُونَ عَنِّي. 41 وَأَفْرَحُ بِهِمْ لأُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَأَغْرِسَهُمْ فِي هذِهِ الأَرْضِ بِالأَمَانَةِ بِكُلِّ قَلْبِي وَبِكُلِّ نَفْسِي.

لقد أَشَرتُ ذاتَ مرَّةٍ إلى موضوعِ "المُتعة مِن مَنظورٍ مسيحيٍّ" في إحدى عِظاتِ يومِ الأحد2، وبعدها جاء إليَّ أحدُ الآباء مِن أعضاء الكنيسة وقال لي "هل تعلَم أنّ  ابنتَنا الصّغيرة  ظنّت أنّك كُنتَ تتحدَّثُ عنِ المسيحيّة الوثنيّة Heathenism، وليس اللَّذة Hedonism"؟" لقد عَلِمْتُ أنّه بالرُّغم من حِرصي الشَّديد على وضوحي للألفاظ التي أستخدمُها، إلاّ أنّ البَعض اختلَط عليه الأمر، لأنّه ربّما يعتقد أنّ "اللّذة" هي فلسفة "وثنيّة" في الحياة. وربّما هُمْ على صَواب، لأنّ المعنى المُتعارَف عليه لكلمة "اللّذة Hedonism هو طَلَبُ المُتعة، والانحلال الأخلاقيّ. يُحذّر بولس الرّسول في 2 تيموثاوس 3: 4، من أنّه في الأيّام الأخيرة سيكون النّاس "خائِنِينَ مُقتَحِمينَ مُتصَلَِّفينَ مُحِبّينَ للَّذَّات دونَ مَحبّةٍ لله" وبالتّأكيدِ نحن في هذهِ الأيّام.

مفهوم " التّلذُّذ وطَلَبُ المُتعة الحقيقيّة" في المسيحيّة ؟

نَشَرَ دانيال يانكلوفيتش كتاباً مُنذ عامَين بعُنوان "القواعد الْجديدة": البحثُ عن تحقيقِ الذّاتِ في عالَمٍ مَقلوبٍ رأساً على عَقِب  “New Rules: Searching for Self-Fulfillment in a World Turned Upside Down." تناوَلَ في هذا الكتاب مُحصِّلَةَ  عِدّة مُقابَلاتٍ وإحصاءاتِ الأصواتِ على مُستوى القُطر كُلِّه، والتي أظهَرتْ تحوُّلاتٍ وتغيُّراتٍ هائلةٍ حَدثَتْ في ثقافتنا ودَفعَتْ إلى البحثِ الكبيرِ والشّامِل والسّاعي نحو الإحساس الشخصيّ بالإنجاز، مِمّا أَوجَدَ  مجموعةً مِن القواعد تَحكُم تفكيرَ ومشاعِرَ الأمريكيّين. لقد قال: "بتطَرُّفٍ مَلحوظٍ، لقد قَلَبتِ القواعدُ الْجديدةُ بكُلِّ بساطةٍ القواعدَ القديمةَ التي كانت في رؤوسهم، فلَم يَعُدْ إنكارُ الذّاتِ فَضيلة بل على النّقيض نَجد مَن يَرفضون إنكارَ ذواتِهم لا بسببِ شعورِهم بفراغِهم العميق بل انطلاقاً من مبدإٍ ينادي : " إنّ لنَفسي حقٌّ عليَّ".

لقد روى قِصّةَ امرأةٍ في الثّلاثينات من العُمر، عندما كانت تشكو حالهَا لطبيبها النّفسيّ وتقول: أنّها أصبحت  مُتوتِّرة ومُضطرِبة جدّاً، لأنّ حياتَها غَدَتْ مُمِلَّةً ومُشَوَّشَة، ففيها العَديد مِن عُطَل نهاية الأُسبوع، والعديد من حفلات الرّقص، الكثير مِن السّاعات المُتأخِّرة مِن اللَّيل في السَّهر، والثَّرثرة، والشُّرب بإفراط، الكثير من العلاقات الْجِنسيّة. وعندها استوقَفَها طبيبُها، وسألها " إذن "لماذا لا تتوقَّفي عن كُلِّ هذا؟". فنظرَتْ إليه فى ذُهول ثم لَمَعَ وجهُها في استنارةٍ مَلحوظةٍ، وسألَتْه على الفَور  بدَهشةٍ: "هل تعني أنّه فعلاً أنا لستُ مُضطرةً أن أفعل ما كُنتُ أظنُّ أني أريدُه؟، إنّ الذين يَسعَون وِفقَ مبدإ إشباع الذّات يَضربون على وَتَرٍ يَعتبرونه شِعارَهم ومِحوَر عقيدتهم". إنّ الاحتياجات والشَّهوات العاطفيّة بمثابة أشياءَ مُقدَّسة، حتّى أنّه تُعَدُّ جريمةً ضدَّ الطّبيعة إن تَوانَينا في أن نُشبِع هذه الاحتياجات العاطفيّة (صفحة 59)". إنّ عصرَنا هو الأوّل من نوعه الذي فيه عشرات الملايين من النّاس الذين يَختلِقون مُبَرِّرات لأعمالهم، مُعتقدين أنّ الكَيان الدّاخليّ هو الحقيقة التي يجب أن يُكيِّفوا أوضاعَهم معها في المجتمع الخارجيّ.

رُبّما العلاقة التي يتلاقى فيها السّاعِين وراء إشباع الذّات والأدوار الْجديدة التي سبَّبتْ في خِلافٍ هائلٍ هي علاقة الزّواج. لقد أَصابَ وأَحسَنَ يانكلوفيتش بقوله "الزِّيجاتُ النّاجِحة هي التي تتكوَّن من الكثير من خُيوطِ الرَّغَباتِ المضبوطةِ ومَزيدٍ من إشباعِ رَغَباتِ الطَّرف الآخَر، قبولِ تضحياتِ رغباتِ الذّات، ابتلاعِ إحباطاتٍ، تَجنُّب مُواجَهاتٍ، إعطاءِ فُرَصٍ لتجنُّبِ الغضب، خفضِ الصّوت عند التّعبير عن الذّات وهكذا. للوصول إلى نموذجٍ قويٍّ مِن تحقيقِ الذّات. خُضْ هذه العمليّة بأخذك عصا مِكنسة مُحاوِلاً الإمساك بشبكة نسيج العنكبوت الواهية، فإنّك ستَجِد أنّ مُعظَمَها  سيلتصِقُ بالعَصا، أمّا هَيكَل النّسيج المُتبَّقي فسيتمزَّق! ( صفحة 76)

لِذا، لديَّ تَعاطُف عميق مع المُتحرِّرين بالدَّرجة الكافِية من قُيود ثقافتنا، ومِن ثمَّ يتوجَّهون إلى صوتِ طَلَبِ المُتعة العالميّة، ويقولون لها "كَفانا من هذا؛  فبيوتَنا، ومدارسَنا، وأعمالَنا، جميعَها تتحطَّم من جّرَّاءِ السَّيرِ خلف طالِبي مُتعةِ تحقيق الذّات، وهُم لا يَملُكون الشَّجاعةَ الأخلاقيَّة، ولا إنكارَ الذّات، ولا التّقديرَ لمعنى الالتزام، ولا الإخلاصَ حتىّ التّضحية، مع أنّ كُلّ هذه معاً تُمثِّلُ هَيكلَ الحياة النّفيسة، وتأتي بمَعاني النُّبلِ لثقافتنا. لا نريدُ بعدُ المُتعة العالمَيّة، لكن نريدُ عودةً إلى: الاستقامةِ، والتّعقُّلِ، والبِرِّ، والاحتشامِ، والثّباتِ، والتّعفُّفِ. صدِّقوني، ربّما نكون أقرب ُإليك أكثر مِمّا كُنت تعتقد؛ فكُلّ ما أطلُبه مِنك أن تُعطيني آذاناً مفتوحةً ومُميِّزةً لمُدَّةِ تِسعةِ أسابيع قبل أن تَصِلَ إلى حُكمِك الأخير على طَلَبِ المُتعة والتّلذُّذ من مَنظورٍ مَسيحيّ.

الأمثِلة الكِتابيّة لطَلَبِ التّلذُّذ والمُتعة من وجهَةِ نظَرِ المسيحيّة:

أحياناً يتطلَّبُ شَرح وتوضيح بعض التّعريفات العديدَ من الكلمات ، ولكنْ عِوَضاً عن تقديمي لتعريفٍ دقيقٍ "لللَّذة  من منظورٍ مسيحيّ"، دعني أبدأ بتقديمي أمثِلة كتابيّة لهذا الموضوع للتّوضيح.  لقد حَثَّ النّبي داود على مَذهَبِ التّلذُّذ المسيحيّ عندما قالَ في المزمور 37 :4 " تَلذَّذْ بالرّبِّ فيُعطيكَ سُؤلَ قلبك". كما أنّه أظهَرَ لُبَّ هذا المَذهب عندما صرخَ في المزمور 42 : 1-2 " كَما يشتاقُ الإيَّلُ إلى جَداولِ المِياه هكذا تشتاقُ نَفسي إليك يا اللهُ. عَطِشَتْ نَفسي إلى اللهِ إلى الإلهِ الحيِّ". لقد كان موسى من هذه النّوعية، كما جاء في عِبرانيّين11: 24 -27 ، لأنّه رَفَضَ "التّمتُّعَ الوقتيَّ بالخطيّة"، و"حَسِبَ عارَ المسيحِ غِنىً أعظمَ من خَزائنِ مِصر لأنّه كان ينظُرُ إلى المُجازاةِ". القدِّيسون المذكورون في عِبرانيّين 10 : 34 كانوا يَسعَون  طالِبين المُتعةَ المسيحيّةَ لأنّهم اختاروا أن يُخاطِروا بحياتِهم عند زيارتِهم لمسجونِينَ مسيحيّين، بل وقَبِلوا بفَرَحٍ سَلْبَ مُمتلكاتِهم أيضاً، حيث أنّهم عَلِموا في أنفُسِهم أنّ لهُم مُمتلَكاتٌ أفضلُ، وباقِية. وأوصى الرّسول بولس أيضاً بطَلَبِ السُّرور والتّلذُّذ مِن المَنظور المسيحيّ عندما قال في (رومية 8:12)" الرَّاحِمُ فبِسُرورٍ". ويسوع المسيح، رئيسُ إيمانِنا ومُكمِّله، وضَعَ بنَفسِه أعظمَ المقاييس لمَذهَب طَلَب التّلذُّذ والسُّرور المسيحيّ لأنّ "ولَذَّتُه تكون في مَخافَةِ الرّبِّ" (إشعياء 11: 3)، و"مِن أَجْلِ السُّرورِ الموضوعِ أمامَه احتَملَ الصّليبَ مُستَهيناً بالخِزْيِ فجَلَسَ في يَمينِ عَرشِ الله" (عِبرانيّين 12 : 2.)

مَذهَبُ التّلذُّذ والسُّرورالمسيحيّ يُعلِّم أنّ مُجرَّد الرَّغبة في أن تكونَ مسروراً في الرّبِّ، هذه هِبَةٌ مِن الله، ولا يُمكِن أن تُنكِرَ، ولا تُقاوِمَ، بل توجَّه إلى الله بغَرَضِ إشباعِها. لا يقول  هذا المَذهب إنّ كُلّ ما تستمتع به هو صالِح، بل يقول إنّ الله يُخبِرك ما هو صالِح، وإنْ فَعلْتَه، إنّما يَجلُب لك فَرَحاً (ميخا 6: 8). وبما أنّ فِعلَ ما يريدُه الله يَجلُب الفَرَح؛ إذن  طَلَبُ هذا الفَرَح يُعَدُّ جُزءاً أساسيّاً من كُلِّ المَساعي المَعنويّة. لو تخلَّيتَ عن طَلَبِ الفَرَح (وبهذا تَرفُض أن تكونَ طالِباً للسُّرور والتّلذُّذ من المَنظور المسيحيّ، بحسب هذا المُصطَلح الْجديد)؛ فإنّك لن تتمكّن مِن تَتميمِ مشيئتِه. هذا الفِكر يُؤكِّد أنّ القدِّيسين الأتقياء عَبر الأجيال اكتشفوا أنّه لا تَعارُضَ إذا قالوا "مِن أجْلِكَ نُماتُ كُلَّ النّهارِ، قد حُسِبْنا مِثلَ غَنَمٍ للذَّبْحِ" (رومية 8 : 36)، ثمّ يقولوا "افرَحوا في الرّبِّ كُلَّ حِينٍ، وأقولُ أيضاً افرَحوا" (فيلِبّي 4: 4). إنّ فِكرَ طَلَبِ التّلذُّذ والفَرَح مِن المَنظور المسيحيّ لا ينتمي لأولئك الذين يُنادون بالإشباع الذّاتيّ، ذلك الإشباع الذي مِن شأنه أن يجعَلكَ عبداً لرَغَباتك الأثيمة. كما أنّ هذا الفِكر يوصي بأنْ لا نُشاكِل هذا الدّهر، بل نتغيّر عن شَكلِنا بتَجديدِ أذهاننا (رومية 12 : 2) وبذلك نبتهِجُ لفِعْلِ إرادة الآب الذي في السَّموات. طِبقاً لهذا الفِكر، إنّ الفَرَح في الرّبِّ ليس بمَثابةِ "زينةٍ" اختياريّةٍ لكَعكَةِ (تورتة) المسيحيّة، بل هو جزءٌ أساسيٌّ في حِفظ الإيمان. أُريدُ هُنا أن أكشِفَ النِّقابَ عن أساسِ فِكرِ طَلَبِ التّلذُّذ المسيحيّ: سُرورُ الّربِّ. وسأُحاوِل أن أفعل ذلك من خِلال ثلاثِ مُلاحَظاتٍ كتابيّة: 1) الله مسرورٌ لأنّه يُسَرُّ في ذاته . 2) الله مسرورٌ لأنه  السّيِّد. 3) سرورُ الله هو أساسُ فِكر التّلذُّذ والفَرَح المسيحيّ لأنّه يَسكُبُ ويَفيضُ رحمةً لنا.

الله يُسَّرُّ في ذاته:

أوّلاً، الله مسرورٌ لأنّه يُسَرُّ في ذاته. حاشا أن يكونَ الله غيرَ عادِلٍ إذا أعطى لشيءٍ قيمةً أعلى من صاحب كل وأكبر قيمة على الإطلاق، أيْ هو ذاتُه. لو لَم يَغتبِط غِبطةً مُطلَقة في مَجده هُوَ، سيُصبح غيرَ عادِلٍ، وحاشا بالطّبع أن يكون كذلك، لأنّه مِن حقِّه أن يَبتهِج في مَا يَتناسَب مع عَظَمته ومَجده. النُّصوص الكتابيّة مُفعَمة بالآيات التي تُظهِر كيف أنّ الله دائماً يتصرَّف بدافِعِ المحبّة لمَجدِه هُوَ. "مِن أَجْلِ نَفْسي، مِن أَجْلِ نَفْسي أَفعلُ، لأنّه كيف يُدنَّسُ اسْمي وكَرامتي لا أُعطيها لآخَر." ( إشعياء 48: 11) يتَّضِحُ الشيءُ ذاتُه عندما نتأمَّل في علاقة الله الآب مع الله الابن؛ فهناك غُموضٌ يتعدَّى حُدودَ الفَهم البشريّ. إنّي أعترفُ أنّ جُهدَنا اللاهوتيّ في وَصف الله الواعي بذاته ، وعلاقته بالثّالوث، يُشبِه رضيعاً يُحاول فقط أن يُتَمتِمَ بِاسْم أبيه. إلاّ أنّه حتّى مِن أَفواهِ الأطفالِ ربّما تأتي حِكمةٌ إذا ما اتَّبعْنا الكتاب المُقدّس الذي يُعلِّمنا أنّ يسوع المسيح، ابنُ الله، هو الله ذاتُه (يوحنّا 1: 1) ، وفي عِبرانيّين (1 : 3) يقول: "الّذي وهُوَ بَهاءُ مَجدِهِ ورَسْمُ جَوهَرِهِ". أمّا في 2 كورنثوس 4: 4،  فيتحدَّثُ عن مَجدِ المسيح الذي هُوَ صورةُ الله. مِن هذه الآياتِ الكِتابيّةِ، نتعلَّم أنّ الله الآب الأبديّ وَضَعَ صورةَ مَجدِه بكَمالٍ تامٍّ في شَخصِ ابنه. ومِن ثمّ، إنّ واحدة مِن أفضلِ الطُرُق التي نُفكِّر بها في سُرورِ الله الهائلِ في مَجدِه هي أن نُفكِّر في سُرورِ الله في ابنه، وهو صورةُ  ذلك المَجد. عندما دخل المسيح العالَم، قال الله الآب "هذا هو ابني الحبيبُ الذي به سُرِرت" (متّى 3 : 17) عندما يَحِلُّ الله الآب بكُلِّ مَجدِه الخاصّ به في شَخصِ ابنه، فبالتّأكيد هو مَسرور. " هُوَذا عَبدي الذي أعضُدُهُ، مُختارِيَ الذي سُرَّتْ به نَفْسي" (إشعياء 42 : 1). لذا المُلاحَظة الأُولى تَكمُن في أنّ الله مَسرورٌ لأنّه يُسَرُّ في ذاته، وخاصّةً أنّ ابنه يَعكُسُ طبيعَته.

الله هو السَّيِّد:

ثانياً، الله مَسرورٌ لأنّه السّيِّد . يقول المزمور 3:115 " إنّ إلهَنا في السّماء كُلَّما شاءَ صَنَعَ". إنّ ما يتضمَّنه هذا العَدد هو أنّ سِيادة الله تُمثِّل حقَّه وقُوَّته ليَفعَل كُلَّ ما يُسِرُّه. الله في السّماء، أي أنّ الله أعلى من كُلِّ الأشياء، ولا يُسأَل مِن أحد. لذا، هو يفعل كُلّ ما يُسِرُّه، بل دائماً يعمل ليُحافِظ على كامِل مَسرَّته. إنّ الله مَسرور لأَجِل أعمالِ بِرِّه الدّائم التي تعمل أيضاً باستمرار نتاجاً من محبته لمجده، والتي لا ُيمكِن أيضاً أن تُخيِّب وتتعدّى إرادته.  في إشعياء 43 : 13 "أيضاً مِن اليوم أنا هو ولا مُنقِذَ مِن يَدي أَفعلُ ومَن يَرُدُّ؟"، وفي إشعياء 46 : 10 "رأيي يَقومُ وأفعلُ كُلَّ مَسرَّتي"، وفي دانيال 4: 35 " وحُسِبَتْ جميعُ سُكّانِ الأرضِ كَلاَ شيءَ وهو يفعلُ كَما يَشاءُ في جُندِ السَّماءِ وسُكّانِ الأرضِ ولا يوجَدُ من يَمنَعُ يدَهُ أو يقولُ له ماذا تفعلُ؟". لعلَّنا الآن واثِقين أنّ الله بحقٍّ مَسرورٌ لأنّ لَه كامِل القوّة والحقّ بصِفَته الخالِق ولَه أنْ يتغلَّب على كُلِّ عائقٍ مِن أَجل مَسَرَّته.

السّؤال الْجَدير بالاهتمام هنا هو: كيف لإلهٍ صالِحٍ أن يُسَرَّ في وقتٍ فيه العالَم بأسرِه مَضروبٌ بالمُعاناة والشّرّ؟. يا لَه من سُؤالٍ ضخمٍ وصَعب!. شيئانِ هنا يُساعِدانني في الإجابة، الْشَيءُ الأوّل هو: إنّ الأمر لا يُؤثِّر سلباً على مَن هو الله لو قُلنا إنّه غير مسؤول تماماً. لو حاوَل أحدُهم أن يُعزِّيني وقتِ حادِثِ مَقتَل أُمّي في ديسمبر 1974 ، في حادثِ حافلة، بقَوله مثلاً "لم يَقصِد الله لهذا أن يَحدث، إلاّ أنّه يُمكِنك أن تستمرّ في ثِقتك به، هو صالِحٌ...". لكُنتُ أجَبتُه على الفَور: "إنّ تَعزِيَتي لا تأتِ من أنْ أُفكِّر في أنّ الله ضعيفٌ، حاشا، حتّى أنّه لم يَستطِع أنْ يُغيِّرَ مَسار جِذعَ تلك الشَّجرة لتَسقُط بعيداً عن تلك الحافِلة القويّة، صناعة "فولكس واجن". إنّ الله هو السّيِّد وهو المُتَسلِّط، هو أخذَ أُمّي في وقتٍ مُعيَّنٍ ، وأنا أُؤمِنُ الآن بأنّ يوماً ما سأعرفُ أنّ ذلك كان للخَير، لأنّي تعلَّمت في يسوع المسيح أنّ الله صالِح. هكذا، فإنّ الحَلَّ الكِتابيّ لمُشكِلة الشّرّ هو أنْ لا نَسلُب الله سيادتَه.

أمّا الأمر الثّاني الذي يُعينُني للإجابةِ على ذلك السُّؤال هو: إنّ اتِّجاه الله نَحو الأحداث ِالمَأساويّة يَعتمد على مَدى ضِيق واتِّساع العَدَسة. إنّ الله لا يَبتهِج بالألَم والشّرّ، وإذا ركَّز عَدَسته فقط عليهما؛ فسيمتَلِئُ بالاشمئزازِ والأسَى، ولكنّه عندما يفتَحُ نِطاقَ عَدَسته ليُغطّي كُلَّ ما يتعلَّق  بِحَدَثٍ ما، وكُلّ تأثيراته، حتّى إلى المُنتَهى، فسيُصبِح هذا الحَدَث جُزءاً فقط من شيءٍ أو مُخطَّطٍ أكبر يُسَرُّ به الله، بل يُعبِّر أيضاً عن إرادته. على سبيل المِثال، إنّ مَوت المسيح هو عملُ الله الآب "ونحن حَسِبناهُ مُصاباً مَضروباً من الله ومَذلولاً.... أمّا الرّبُّ فَسُرَّ بأنْ يَسحَقَهُ بالحَزَنِ" (إشعياء 53 :4، 10). إنّ الله الآب عندما نظرَ ابنه الحبيب يعتصِرُ أَلَماً ورأى وشَرّ مَن ساقوه إلى الصّليب، لَم يُسَرّ بهذه الأشياء في حَدِّ ذاتها. إنّ الخطيّة، ومُعاناة البريء، هُما مَكرهَةٌ للرّبّ. إلاّ أنّه بحَسب ما جاء في عِبرانيّين 2 : 10 أنّ الله رأى أنّه جَديرٌ أنْ يُكمِّل رئيسَ خَلاصِنا بالآلام. لقد أرادَ الله لِما يُبغضُه أنْ يَحدُث، وهذا هو ما نقصده بالعَدَسة ذات النِّطاق الضيِّق، لكنْ مِن خِلال زاويةٍ أوسَع تضُمُّ الأبديّة كُلَّها في نِطاقِها، كان هذا هو الطّريق اللائق لإظهار بِرِّه (رومية 3: 25) وليَأتِ بأبنائه إلى المَجد. (عِبرانيّين 2: 10). عندما فَحصَ الله التّاريخ، في  عِلْمِه غير المَحدود، مِن البِداية إلى النِّهاية، يُسَرُّ بِما يَراه. لذلك، أَختُم بقَولي أنّه لا شَيءَ على الإطلاق في العالَم بأَسرِه يُبطِلُ أو يَحُدُّ سُرورَ الله الذي يَسعَدُ حَتمِيّاً في مَجده. كَما أنَ في سِيادته، هو يفعلُ أيضاً ما يُسِرُّه.

سُرور الله يَسكُبُ ويَفيضُ رَحمةً لَنا:

هذا يدفعُنا إلى المُلاحَظة الأخيرة: إنّ سُرورَ الله هو أساسُ  مَذهَب طَلَب التّلذُّذ والفَرَح المسيحيّ لأنّ سُرور الله يَفيض رَحمة. هل تتخيّل كيف سيُصبح الحال إذا كان الله الذي يَحكُم العالَم بأَسرِه غير مسرور؟. ماذا لو كان الله قانِطاً، عابِساً، مُغتمّاً، مُستاءً، حَزيناً، مُثبَّط العَزيمة؟3، وحاشا لَه بالطّبع أن يكون كذلك، هل كُنّا نستطيع عندئذٍ أن ننضمَّ إلى داوود حينما قال: " يا اللهُ إلهي أنتَ إليكَ أُبكِّرُ عَطِشَتْ إليكَ نَفْسي يشتاقُ إليكَ جَسَدي في أرضٍ ناشفةٍ ويابسةٍ بلا ماءٍ"  (مزمور 63: 1)؟ بالطبع لا. ولَو كان كذلك، لكَان ارتباطَنا بالله ضعيفاً، مِثل ارتباط أطفالٍ بأَبٍ قد يتحلَّى بمِثل هذه الصِّفات، ومِن ثمّ، لا يُمكِنهم الاستمتاع به، بل ربّما يعمَلوا جاهِدين على مُحاوَلة إرضاءه وتجنُّبه فقط. لذا، إنّ أساسَ مَذهَب طلَب التّلذُّذ الحقيقيّ المسيحيّ، هو أنّ الله مسرورٌ جدّاً، والهدف من هذا المَذهَب هو أن تكون أنت أيضاً مسروراً في الله، وتبتهج فيه، وتتعلَّق به، وتستمتع بشَرِكَته. أمّا الأطفال الذين لَهم أبٌ مُستاءٌ، حَزينٌ، مُثبَّطُ العَزيمة، فلَن يستطيعوا أن يستمتعوا به، وهذه هي قاعدةُ وأساسُ مَذهَب طلَب التّلذُّذ المسيحيّ، أنَ الله هو الأعظَمُ سُروراً مِن الْجميع.

ها هي طريقة أُخرى لنَقولَ الشَّيءَ نَفْسه، حتّى يتسنّى لخاطِئٍ أن يطلُب الفَرَح في الرّبِّ، لابُدَّ له أن يَثِقَ تماماً أنّ الله لَن يُغلِق الباب أمامه حين يأتي لطلَب المَغفِرة والشَّرِكة معه. إلاّ أنّه كيف لنا أن نتقدّم واثِقين أنّ الله سيتعامل معنا برَحمة حينما نتوب عن خطيَّتنا ونأتي ونطلُب الفَرَح فيه؟ أُنظرْ إلى هذه الثِّقة والتَّشجيع الذي في إرميا 9: 24 " أنا الرّبُّ الصّانِعُ رَحمةً وقَضاءً وعَدلاً في الأرضِ لأنّي بهذه أُسَرُّ يقول الرّبُّ". الرّبُّ يُظهِرُ رحمَتهُ لأنّه يُسَرُّ بها. إنّ الله لا يُقصِّرُ عن أن يُخلِّص بسببِ قاعِدةٍ أو مَبدإٍ ما، لأنّه هو الحياة، وهو مَصدرُ السُّرور، وذُروَةُ هذا السُّرور في فَيضِ رحمَته لَنا. إنّ أساسَ ثقتنا في رَحمةِ الرّبِّ هو أنّه كامِلُ السُّرور في ذاته. كَما أنّ بَهجَتَه أعلى من جميع الأشياء في عَظَمته الإلهيّة، وسُرورَه فيّاضٌ جدًّا حتّى أنّه يُعبِّرُ عن نَفْسه من خِلال مُشارَكته لهذا السُّرور مع آخَرين.

استمعْ إلى نَبضِ قلبِ الله المسرور الكامِل في إرميا 32 : 40-41 ، لماذا يفعل الرّبُّ الإحسان؟ كيف أنّه صالِحٌ في فِعل الخَير والمحبَّة معك؟ اقرأ:

"وأقطعُ لَهم عَهداً أبديّاً أنّي لا أرجِعُ عنهم لأُحَسِنَ إليهِم وأجعلُ مَخافَتي في قُلوبِهم فلا يَحيدون عنّي. وأفرحُ بهِم لأُحْسِنَ إليهِم وأغرِسَهُم في هذه الأرض بالأمانةِ بكُلِّ قلبي وبكُلِّ نَفْسي".

إنّ الرّبَّ يفعلُ الصَّلاحَ معكَ لأنّه يستمتعُ بهذا جدّاً! بل إنّ شُغلَه الشّاغِل هو أن يُحبَّك من كُلِّ قلبه وكُلِّ نَفْسه. هكذا إنّ سُرور ذاك الذي يَفيض محبَّة وبَهجة هو أساسٌ ومِثالٌ للتّلذُّذ المسيحيّ.

أَختُمُ بدَعوَة، إنّ هذه الوُعود القيِّمة والمُذهِلة لاستِحسانِ الله لا تتعلَّق بأيِّ شخص. إلاّ أنّ لَها شرط، وهذا الشَّرط لا يتعلَّق بعمَلٍ أو مبلَغٍ تدفعه. إنّ السّيِّد ذو السُّرور الكامِل لا يحتاج أعمالك، لأنّه بالفِعل يملُك الكُلّ. إنّ الشَّرط الذي يجب عليك أن تلتزم به إذا أردت أن تصبح مسيحيّاً مُستمتعاً استمتاعاً حقيقيّاً هو أن تكُفَّ عن مُحاوَلة أن تصل إلى ذلك من خِلال تبرُّعاتٍ، أو تقديم أعمالٍ من أجله فقط، بل عِوَضاً عن ذلك، ابدأ بأن تطلب من كُلِّ قلبك فَرَح الشَّرِكة مع ذلك الإله الحيّ، فَرَحاً لا ُيمكِن مُقارَنته بأيِّ فَرَحٍ آخَر.

"لا يُسَرُّ بقوَّةِ الخَيلِ لا يَرضى بسَاقَيِ الرَّجُلِ". "يَرضَى الرّبُّ بأتقيائِه بالرّاجِينَ رحمَتَهُ". (مزمور 147: 10-11.)

إذا أردتَ أنْ تَرِثَ كُلَّ وعود الله هذه؛ فكُلّ ما عليك أن تفعَله هو أنْ تُحوِّل مَسارَ فَرَحك المُتشبِّث به في نَفْسك، وفي عائلتك، وفي عملك، وفي وقت فراغك، إلى الفَرَح فيه هو، "يَرضَى الرّبُّ بأتقيائِه بالرّاجِينَ رحمَتَه، وتلذَّذْ بالرّبِّ فيُعطيكَ سُؤلَ قلبك." (مزمور 37: 4.)


1 عنوان مُقتَرَح من المُتَرجِم ، وللمُحرِّر الرّأي الأخير
2 للمُحرِّر الرّأي الأخير أيضاً في إبقاء أو حذف هذه العبارة بما يتطلَّبه هدف الموضوع
3 الكاتب يتجرّأ أحياناً ليُوضِّح  بعض أفكاره، مما اضطَّر المُترجِم لإضافة "حاشا" كثيراُ، لأنّ القارئ العربي لديه تحفُّظات على ذلك، وربّما يحتاج صانع القرار أن يفكِّر مرّتين إذا وُضِعَت هذه المادة على صفحات الإنترنت، من حيث الموضوع كَكُلّ، والألفاظ المُستَخدمة من الكاتب في الأصل بالإنجليزية. – مَلحوظة من المُترجم.

©2014 Desiring God Foundation. Used by Permission.

Permissions: You are permitted and encouraged to reproduce and distribute this material in its entirety or in unaltered excerpts, as long as you do not charge a fee. For Internet posting, please use only unaltered excerpts (not the content in its entirety) and provide a hyperlink to this page. Any exceptions to the above must be approved by Desiring God.

Please include the following statement on any distributed copy: By John Piper. ©2014 Desiring God Foundation. Website: desiringGod.org